الآلوسي
206
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل اللّه تعالى مكانها مثلها » فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم . والمشهور أن كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى مما يقدم في الآخرة لأن كُلَّما تفيد العموم ولا يتصور قولهم ذلك في أول ما قدم إليهم ، وقيل : كون المراد بها في الآخرة أولى لئلا يلزم انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا مع أن فيها ما علمت وما لم تعلم ، على أن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقته - لمتشابه - بعد فإنه في رزق الجنة أظهر ، وإعادة الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلف وستسمعه بمنه تعالى ، وفي الآية محمل آخر يميل إليه القلب بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة ، وهذا جزاء مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله تعالى : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ العنكبوت : 55 ] أي جزاءه - فالذي رزقناه - مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم المسبب على السبب ولا يضر في ذلك أن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من الجزاء - كمالا في - أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر ، وقيل : أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا كما يشير إليه بعض الآثار فثمرة النعيم ما غرسوه في الدنيا فتدبر وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً تذييل للكلام السابق - وتأكيد له بما يشتمل على معناه - لا محل له من الإعراب ، ويحتمل الاستئناف والحالية بتقدير « قد » وهو شائع ، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهرا الخدم الولدان كما يشير إليه قراءة هارون والعتكي « وأتوا » على الفاعل وفيها إضمار لدلالة المعنى عليه ، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إلى قوله سبحانه وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ والضمير المجرور إما على تقدير أن يراد - من قبل - في الدنيا فراجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان هذا - و - الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وهو المرزوق في الدارين - أي أوتوا بمرزوق الدارين متشابها بعضه بالبعض - ويسمى هذا الطريق بالكناية الإيمائية ولو رجع إلى الملفوظ لقيل بهما ، وعبر عما بعضه ماض وبعضه مستقبل بالماضي لتحقق وقوعه ، وفي الكشف أن المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما ، وإما على تقدير أن يراد في الجنة فراجع إلى الرزق أي أوتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد . قال أبو حيان : والظاهر هذا لأن مرزوقهم في الآخرة هو المحدث عنه والمشبه - بالذي رزقوه من قبل - ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة وأحوالها وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة - أنه متشابه ليس من حديث الجنة - إلا بتكلف ، ولا يعكر - على دعوى متشابه ما في الدارين - ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : « ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء » لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وهو حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم وإن لم يكن في المقدار والطعم ، وتحريره أن إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي الاشتراك فيما هو مناطها وهو الصورة ، وبذلك يتحقق التشابه بينهما فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ صفة ثالثة ورابعة للجنات وأوردت الأوليتان بالجملة الفعلية لإفادة التجدد ، وهاتان بالاسمية لإفادة الدوام ، وترك العاطف في البعض - مع إيراده في البعض - قيل : للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات ، واختص كل بما اختص به لمناسبة لا تخفى ، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتين الجملتين مستأنفتان ، وجوز أن تكون الثانية حالا من ضمير الجمع في لَهُمْ والعامل فيها معنى الاستقرار - والأزواج - جمع قلة وجمع الكثرة زوجة - كعود وعودة - ولم يكثر استعماله في الكلام ، وقيل : ولهذا استغني عنه بجمع القلة توسعا ، وقد ورد في الآثار ما يدل على كثرة الأزواج في الجنة من